محمد متولي الشعراوي

3099

تفسير الشعراوى

ولا الإبعاد إلا لثابت . وحتى في اللغة نعرف ما يسمى النفي والإثبات . وكل ذلك مأخوذ من شئ حسى ؛ فعندما نأخذ الماء من البئر ننزل إلى قاع البئر دلوا ، وكل دلو ينزل إلى البئر له « رشاء » وهو الحبل الذي ننزل بواسطته الدلو . إننا ساعة نخرج الدلو من البئر ، يكون قد أخذ من الماء على قدر سعته وحجمه . فهل لدينا حركة ثابتة نستطيع بها المحافظة على استطراق الماء إلى تمام حافة الدلو ؟ طبعا هذا أمر غير ممكن ؛ بل نجد قليلا من الماء يتساقط من حوافى الدلو ، وهذا الماء المتساقط يسمى « النّفى » ؛ لأننا لا نستطيع استخراج الدلو وهو ملآن لآخره بحركة ثابتة مستقرة بحيث تحافظ على استطراق الماء . إن الماء - كما نعلم - له استطراق دقيق إلى الدرجة التي جعلت البشر يصنعون منه ميزانا للاستواء . ومن « النفي » تؤخذ معان كثيرة ، فهناك « النفاية » وهي الشئ الزائد . إذن كيف يكون النفي من الأرض ؟ وهل نأخذ الأرض بمفهومها العام أو بمعناها الخاص ؟ أي الأرض التي حدث فيها قطع الطريق ؟ إن أخذناها بالمعنى الخاص فالنفى يكون لأي أرض أخرى . وإن أخذنا الأرض بالمعنى العام فكيف يكون النفي ؟ ونرى أن الحق سبحانه قد قال في موضع آخر من القرآن : وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ ( من الآية 104 سورة الإسراء ) هم بلا جدال يسكنون في الأرض . وجاء هذا القول لمعنى مقصود ، ونعرف أننا لا نذكر السكن إلا ويكون المقصود تحييز مكان في الأرض ، كأن يقول قائل : « اسكن ميت غمر » أو « اسكن الدقهلية » أو « اسكن طنطا » ، وهذا تحديد لموقع من الأرض للاستقرار ، والمعنى المقصود إذن أن الحق يبلغنا أنه سيقطعهم في الأرض تقطيعا بحيث لا يستقرون في مكان أبدا . وذلك مصداقا لقول اللّه : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً ( من الآية 168 سورة الأعراف ) فليس لهم وطن خاص . وتمت بعثرتهم في كل الأرض ، وهذا هو الواقع الذي